ابن أبي مخرمة
36
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وفي سنة سبع وتسعين : أراد سوسن الحاجب الفتك بابن الفرات ، وتولية محمد بن عبدون ، فظفر بسوسن ، وقيل : في سنة تسع وتسعين قبض على ابن الفرات ، وولي الوزارة محمد بن عبد اللّه بن يحيى بن خاقان . وفي سنة أربع وثلاث مائة : أعيد ابن الفرات إلى الوزارة ، وخلع عليه سبع خلع ، وسقى الناس من داره في ذلك اليوم والليلة أربعين ألف رطل ثلج ، وكان يوما مشهورا ، والتزم أن يحمل كل يوم من مال المرافق ألفا وخمس مائة دينار ، من جملتها ألف دينار لخاصة المقتدر ، وللسيدة ثلاث مائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار ، ولأبي العباس وهارون ابني المقتدر ستة وستون دينارا وثلاثين ، وكان لا يمكنه أن يخلّ بها . وفي سنة ست وثلاث مائة : قبض على ابن الفرات ، واستوزر حامد بن العباس ، وكان فيه حدة وطيش ، فأحضر ابن الفرات ليناظره ، فأمر بنتف لحيته ، ثم نهض إليه ، فجذب لحيته بيده . وفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة : صرف حامد بن العباس عن الوزارة ، وأعيد ابن الفرات ، وكان ابن الفرات قد خاف من مؤنس ، فأشار على المقتدر بإبعاده من الحضرة ، وأن يوليه الرقة ، فبعثه إليها ، فلما كان سنة اثنتي عشرة ، وفعل أبو سعيد القرمطي بالحاج ما فعل - كما ذكرناه في السنين - . . أشار ابن الفرات على المقتدر بأن يكاتب مؤنسا بالقدوم لمحاربة القرمطي ، فقدم مؤنس الخادم ، فركب ابن الفرات إلى دار مؤنس للسلام عليه ، ولم يتم مثل هذا من وزير ، فأسرع مؤنس إلى باب داره ، وقبّل يده وخضع له ، وكان في حبس المحسن بن الوزير جماعة في المصادرة ، فخاف العزل ، وأن يظهر عليه ما أخذه منهم ، فسم علي بن عيسى « 1 » ، وذبح خادم حامد بن العباس ، وعبد الوهاب بن ما شاء اللّه ، ثم قبض المقتدر على ابن الفرات ، وسلمه إلى مؤنس ، فعاتبه مؤنس ، وتذلل هو لمؤنس ، فقال له مؤنس : الساعة تخاطبني بالأستاذ ، وأمس تبعدني إلى الرقة ، واختفى ولده المحسن ، ثم ظفر به في زي امرأة قد خضبت يديها بالحناء ، فعذب وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار ، وولي الوزارة عبد اللّه بن محمد الخاقاني ، فعذّب ابن الفرات وابنه المحسن ، واصطفى أموالهم ، فيقال : أخذ منهم ألفي ألف دينار .
--> ( 1 ) في « تاريخ الإسلام » ( 23 / 353 ) ، ( وسمّ إبراهيم أخا علي بن عيسى . . . ) فليتنبه لذلك ؛ لأنه سيجري ذكر علي بن عيسى في حوادث سنة ( 316 ه ) .